محمد بن محمد ابو شهبة

51

المدخل لدراسة القرآن الكريم

بخلاف « التنزيل » فإنه يعبر به في جانب ما نزل مفرقا ؛ فدلّت الآيات على أن القرآن « نزل جملة واحدة في ليلة القدر ! أخذا من سورة « القدر » وهي الليلة المباركة ، أخذا من آية « الدخان » ، وهي ليلة من شهر رمضان أخذا من آية « البقرة » . وأيضا فمن البدهيّ : أن القرآن نزل على النبي صلى اللّه عليه وسلم في سنين لا في ليلة واحدة ، وأنه نزل في غير رمضان ؛ كما نزل في رمضان : فدل هذا على أن النزول الذي نوّهت بشأنه الآيات غير النزول على النبي مفرقا في بضع وعشرين سنة ، وأن المراد به : هو النزول جملة واحدة . 2 - قد جاءت الآثار الصحيحة مبيّنة لهذا النزول وشاهدة عليه : ( أ ) فمنها ما أخرجه النّسائي والحاكم والبيهقي من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس ، أنه قال : « أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة » ثم قرأ : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) [ الفرقان : 33 ] ، وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ( 106 ) [ الإسراء : 106 ] . ( ب ) ومنها ما أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : « أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم ، وكان اللّه ينزله على رسوله بعضه في إثر بعض » . ( ج ) وأخرج الحاكم وغيره ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « فصل القرآن من الذّكر ، فوضع في بيت العزّة من سماء الدّنيا فجعل جبريل

--> وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ . والتفريق بين الإنزال والتنزيل أمر غالب ؛ وليس قاعدة مطردة ؛ ولذا عبرت بلفظ « أكثر » بدليل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] ، فقد استعملوا التنزيل وأرادوا الإنزال ، وبدليل قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ( 1 ) [ الكهف : 1 ] فقد عبّر بالإنزال وأراد التنزيل .